السماء الصفراء والوجه الحسن

-اكو شي على الطباخ؟
يسأل الزوج وهو جالس يشاهد الأخبار، وقد تلوّنت السماء في الخارج بلون الكبريت الأحمر. ويؤكد مذيع الأخبار: لا داعي للقلق من التلوث..
بناء جسور وافتتاح أخرى، وتوسّع رقعة المدينة بالمجمعات السكنية، ووصول سمائها بالأبراج الزجاجية، في ظل وتيرة إعمار متواصلة.. فهل لذلك أثر مهدِّد؟
يغيّر القناة ليسمع المسؤول عن مراقبة نوعية الهواء وهو يقول: "إن الحالة العمرانية التي تشهدها البلاد سبب أساسي في تلوث هوائها وانتشار رائحة الكبريت في سمائها، بسبب الإنتاج العالي لمصانع الأسفلت". ثم يضيف آخر أن تلوث الهواء بالمركّبات العضوية المتطايرة والغازات الملوِّثة، مثل ثنائي أكسيد الكبريت وغيرها، له تأثيرات على المستوى الحراري وموجات الغبار الكثيف، وهي قضايا سلبية أساسية تقف وراءها المصانع التي تعتمد على الوقود الأحفوري ومصادر الطاقة غير المتجددة في عملية الإنتاج.
فهل تشكّل كل هذه مؤشرات خطورة فعلية، أم أن لون السماء موسمي عابر؟
مع حلول المساء وحتى ساعات الصباح الأولى، تمتلئ سماء بغداد بسحابة من الدخان ورائحة تشبه الكبريت، ما زاد من صعوبة التنفس، خاصة لدى السكان الذين يعانون من أمراض الجهاز التنفسي. وقد أكدت لجنة حقوق الإنسان في البرلمان العراقي دخول قرابة 200 شخص إلى المستشفيات نتيجة السحب الكبريتية.
ووفق مؤشر "IQAir"، يحتل العراق المرتبة الثانية عالمياً كأكثر الدول تلوثاً بالهواء، فيما جاءت بغداد ضمن المدن الست الأكثر تلوثاً في العالم بنهاية تشرين الثاني (نوفمبر) 2025. بل إن مؤشر جودة الهواء سجّل، في إحدى موجات التلوث الأخيرة، قفزة حادة وصلت إلى 380 نقطة، وهو مستوى يعكس وضعاً بيئياً بالغ الخطورة تهيمن عليه الجسيمات الدقيقة PM2.5 - أي أعلى بكثير من حد "الخطير" (300 نقطة فما فوق).
وعلى الصعيد العمراني، تقع المصانع في بغداد في قلب النسيج السكاني للعاصمة: مدينة الصدر، والشعب، والتاجي، والكاظمية، وزيونة، والكرادة، والدورة، والسيدية، والبياع.
فما الحل إذاً، في ظل هذا العدد الهائل من السيارات والتوسع العشوائي للمصانع؟
تجدر الإشارة هنا إلى تجربة مدينة كوبنهاغن في الدنمارك في إدارة المناطق الصناعية، إذ اعتمدت على حصر المصانع في مناطق مخصصة خارج المدينة وبعيدة عن النسيج السكاني، واستثمرت في البنية التحتية الداعمة للطاقة المتجددة وأنظمة إدارة النفايات الفعّالة، إلى جانب توسيع الغطاء النباتي الذي يؤدي دوراً أساسياً في التخفيف من الضوضاء وتلوث الهواء، وتوفير مساحات ترفيهية للسكان.
كذلك حققت بكين، منذ عام 2013، نتائج ملموسة عبر خطة استمرت عشرين عاماً، اعتمدت على تحسين البنية التحتية للطاقة، ومراقبة التلوث الناجم عن الفحم، وفرض ضوابط صارمة على انبعاثات المركبات. وخلال خمس سنوات فقط (2013-2017) انخفض تلوث الجسيمات الدقيقة PM2.5 في بكين بنسبة 35%، وبنسبة 25% في المناطق المحيطة، كما تراجعت المستويات بنسبة 69.8% منذ عام 2013 وفق بيانات بلدية بكين الصادرة في كانون الثاني (يناير) الماضي. وتشكّل هذه التجربة دليلاً على أن التلوث الصناعي المزمن قابل للمعالجة من دون الحاجة إلى "هدم المدينة".
وبناءً على ذلك، بات من البديهي أن المناطق السكنية في بغداد، التي غدت مكتظة بالسكان والمساكن والسيارات، باتت بحاجة ماسة إلى فصل النشاط الصناعي عن النسيج الحضري بشكل كامل. ومع غياب منظومة نقل عام فعّالة، واعتماد المدينة بشكل
كبير على وسائل النقل الخاصة، لا يبقى أمامنا سوى الاستفادة من تجارب دول أخرى، مثل ألمانيا التي خفّضت كلفة النقل العام (وهنا ترتفع الأصوات والتساؤلات المشروعة حول وجود بنية نقل عام أصلاً!). فقد بات من الضروري الاستثمار أولاً في إنشاء بنية نقل عام حقيقية قبل الحديث عن خفض تكلفتها.
كما ينبغي إلزام مشاريع الإعمار بنسبة غطاء نباتي موازية، على هيئة حزام أخضر حول المناطق الصناعية تحديداً. وبالتأكيد، فإن معالجة هذا الملف لا تتطلب قراراً واحداً، وإنما خطة طويلة الأمد تُظهر نتائجها بالالتزام والشعور بالمسؤولية.
-ماكو شي على الطباخ مو قلتلك!
· حتى عشا ماكو؟
